نار جيوسياسية وجدار من الفائدة
في الأسواق العالمية، يتشكل الموضوع الرئيسي للأسبوع مجدداً حول المخاطر الجيوسياسية والنفط والتضخم وتوقعات الفيدرالي. ويواصل السوق قراءة الحرب والتوتر الإقليمي لا عبر الطلب على الذهب مباشرة، بل عبر أسعار النفط وتكاليف الطاقة والتضخم واحتمال تشديد السياسة النقدية. لهذا السبب ينقسم أثر المخاطر الجيوسياسية على المعادن إلى وجهين. فمن جهة، يمكن للضبابية المتصاعدة أن تخلق نظرياً طلباً على أصول كالذهب والفضة. ومن جهة أخرى، يقوّي ارتفاع أسعار النفط التوقعات بأن الفيدرالي قد يبقى متشدداً لفترة أطول، ما يضغط على المعادن التي لا تدرّ عائداً. وفي الوقت الراهن، الأثر الثاني هو الأقوى في السوق. كما أن بيانات التوظيف القوية من الولايات المتحدة زادت هذا الضغط. وصباح اليوم، يُتداول الذهب عند 4,319 دولاراً بانخفاض 0.21%. وتتراجع الفضة 0.10% إلى 67.74 دولاراً، فيما يرتفع البلاديوم 0.27% إلى 1,229 دولاراً. ويُتداول البلاتين عند 1,778 دولاراً بارتفاع 0.14%. وتُظهر هذه الصورة أن الضغط مستمر على الذهب والفضة، بينما يبدي البلاتين والبلاديوم مقاومة محدودة بفعل ديناميكيات العرض والطلب.
ومع دفع الصراعات في الشرق الأوسط لأسعار النفط إلى الأعلى، تزداد مخاوف التضخم قوة. وتدهور توقعات التضخم يُضعف احتمال خفض الفيدرالي للفائدة، بل ويعيد إلى النقاش احتمال رفع آخر هذا العام. وفي ظل هذه المعادلة، يجد الذهب صعوبة في اكتساب زخم صاعد مستدام رغم مخاطر الحرب. والنقطة المهمة في تراجع الذهب ليست زيادة البيع فحسب، بل أيضاً ضعف شهية الشراء.
والضغط أكثر وضوحاً على جانب الفضة. فالمخاوف بشأن النمو العالمي تُضعف أيضاً توقعات الطلب الصناعي. ورغم ذلك يستمر الشحّ المادي في الفضة. ففي بورصة كومكس، يزيد بقاء العقود المفتوحة مرتفعة مقارنة بالمخزونات المسجّلة من الحساسية خلال فترات التسليم. بعبارة أخرى، ورغم أن الأسعار قد تتراجع على المدى القصير بفعل ضغط الفائدة والدولار، فإن المخزونات المحدودة وعجز المعروض والاستخدام الصناعي وخصوصاً الطلب من الألواح الشمسية تواصل دعم إمكانات الفضة على المدى المتوسط.
كما ينفتح مجال جدير بالملاحظة على جانب المجوهرات بالنسبة للبلاتين، إذ يوجّه المستهلكين نحو بدائل المعادن البيضاء الأقل كلفة. ويُظهر الطلب الأقوى على مجوهرات البلاتين في أسواق مثل الصين والهند واليابان والولايات المتحدة أن المعدن قد يتلقى دعماً لا من الجانب الصناعي فحسب بل من جانب المستهلك أيضاً. أما التعافي فيبقى محدوداً على جانب البلاديوم، لأن المعدن ما زال معتمداً إلى حد كبير على قطاع السيارات. فالمخاوف بشأن الانتقال إلى المركبات الكهربائية تُضعف الطلب. لهذا السبب، يتطلب ارتفاع أقوى في البلاديوم تعافياً واضحاً في طلب السيارات أو إشارة تشديد جديدة على جانب العرض.
ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، لا تسعّر الأسواق احتمال الحرب فحسب، بل أثرها على تكاليف الطاقة والنقل أيضاً. فالمخاطر في مضيق هرمز تزيد المخاوف بشأن الطلب على النفط، فيما قد يدفع التوتر في البحر الأحمر تكاليف النقل البحري إلى الأعلى. وارتفاع تكاليف النفط والخدمات اللوجستية يزيد ضغط التضخم، وهو ما يعزّز التوقعات بأن الفيدرالي قد يُبقي الفائدة مرتفعة لفترة أطول ويخلق ضغطاً على المعادن الثمينة. إذاً، المخاطر ترتفع، لكنها هذه المرة تحدّ من صعود المعادن عبر مخاوف الفائدة بدلاً من أن تدعم الذهب.