يد الفيدرالي الباردة وأنفاس النفط الساخنة
بدأت الأسواق العالمية الأسبوع الجديد بمزاجين مختلفين. فمن جهة، يواصل موضوع الذكاء الاصطناعي إبقاء شهية المخاطرة حيّة في الأسهم. ومن جهة أخرى، تبقى الضبابية المدفوعة بالشرق الأوسط في قلب التسعير في أسواق السلع. فتوقعات النمو التي تدفع أسهم التكنولوجيا إلى الأعلى ومعادلة المخاطر الجيوسياسية التي يشكّلها مضيق هرمز والنفط والتضخم والفيدرالي تُسعَّر في آن واحد. ورغم أن الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران منحت الأسواق قدراً من الأمل، لم يتجه المستثمرون بعد إلى تسعير ارتياح دائم، لأن التوتر في سوق الطاقة يبقى مرتفعاً حتى مع بدو الدبلوماسية على الطاولة.
تراجع الذهب 0.66% في أول أيام تداول الأسبوع إلى 4,507 دولارات. والعامل الرئيسي الذي يضغط على الذهب اليوم ليس اختفاء المخاطر الجيوسياسية تماماً، بل قوة الدولار وارتفاع أسعار النفط واحتمال أن يعيد التضخم المدفوع بالطاقة تشديد توقعات الفيدرالي. بعبارة أخرى، الذهب لا يتعرض للضغط بسبب انحسار المخاطر بقدر ما يتعرض له بسبب معادلة الفائدة والدولار.
أما الفضة فتقدّم صورة مختلفة. فقد ارتفعت 0.62% لتُتداول عند 75.77 دولاراً، متباينة إيجابياً عن الذهب. ويواصل هذا التباين إظهار أن الفضة لم تعد تُسعَّر بوصفها جزءاً من سلة المعادن الثمينة فحسب، بل أيضاً كأحد المدخلات الحرجة للدورة الصناعية. علاوة على ذلك، يتحول موضوع الذكاء الاصطناعي إلى عامل مهم ليس للأسهم فقط بل للفضة أيضاً. فمراكز البيانات وإنتاج الرقائق والمكونات الإلكترونية ونقل الطاقة تشير جميعها إلى تحول أوسع قد يدعم الطلب على الفضة. وإذا كان الذكاء الاصطناعي هو قصة النمو للحقبة الجديدة، فإن الفضة تصبح أحد مدخلات تلك القصة الخفية لكن الحاسمة.
كما أن النظرة الإيجابية في البلاتين والبلاديوم جديرة بالملاحظة. فقد ارتفع البلاتين 0.91% إلى 1,938 دولاراً، وكسب البلاديوم 0.59% إلى 1,364 دولاراً. ورغم تراجع الذهب، يشير التعافي في بقية المعادن الثمينة إلى أن السوق لم يبتعد كلياً عن مجمع المعادن.
اليوم، ثمة سلسلة مترابطة تسري في الأسواق: أسهم الذكاء الاصطناعي تغذّي شهية المخاطرة. وتوترات الشرق الأوسط تُبقي النفط مرتفعاً. والنفط يُبقي توقعات التضخم حيّة.
وتوقعات التضخم تعيد الفيدرالي إلى قلب المعادلة. ويقع الذهب في منتصف هذه السلسلة تماماً، فيما تحاول الفضة شقّ مسار منفصل عبر الطلب الصناعي.
لذلك، في بيئة التسعير الحالية، علينا ألا ننظر إلى الحركات اليومية للسوق فحسب، بل إلى المعنى المتغير للمعادن أيضاً. فالذهب ما زال يحافظ على هويته كملاذ آمن. غير أنه لم يعد مجرد ملجأ في أوقات الأزمات؛ لقد أصبح أصلاً استراتيجياً يقف عند تقاطع السياسة النقدية والمخاطر الجيوسياسية.
وأعتقد أن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: حتى لو ثبت أن التوترات الجيوسياسية مؤقتة، فهل يصبح المعنى الاستراتيجي الجديد الذي يمنحه العالم للذهب وخصوصاً للفضة معنى دائماً؟